الخميس، ٢٣ نوفمبر ٢٠٠٦

الذئب ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

الذئب
قصة محمود البدوى



ظهر الذئب فجأة فى قرية " تل عمران " فروع أهلها .. وشل حركة الفلاحين فى المزارع .. وبساتين النخيل ..

وجعلهم يوقدون النيران فى أطراف الحقول .. ويطلقون البهائم من قيودها .. ويحبسون الأطفال فى المنازل من الغروب .. وأخذ الرجال الأشداء يهاجمونه عند سفح الجبل وفى المغاور وفى الأماكن التى يتصورون أنه رابض فيها .. وأطلقوا عليه ..

أطلقوا علية أكثر من الف طلقة من كل أنواع البنادق والمدافع الرشاشة ..

ولكنه كان يمرق كالسهم .. ويلف كالثعبان ويثب وثبة الأسد .. ويزوغ بين الكهوف كالثعلب ..

وكانوا يرون عينيه تقدحان بالشرر .. بعد كل قتال ينشب بينه وبينهم فيعرفون أنه حى .. وأن جهودهم ذهبت هباء ..

***

ومرت سنة وسنة مثلها .. والفلاحون يرون الذئب على حدود القرية .. وأصبح الذئب أسطورة .. ثم نسوه فترة من الزمان .. ولكنه عاد واحتل تفكيرهم .. فقد نهش فخذ طفل .. وهاجم رجلا حتى صرعه ..

فتجمع الفلاحون لمقاتلة هذا الوحش .. وخرجوا فى تجمعات لمحاصرته والقضاء عليه ..

***

ولكنه كان لايعبأ بشىء من هذا كله .. وكان لايثنيه أمر عن فريسته .. وأصبحت حوادثه .. وتحركاته فى قلب الليل تدور على السنة الفلاحين فى القرى والنجوع ..

***

وكان أهل القرية يبيعون الملح ويزرعون الشعير على ماء الأمطار .. فى رقعة صغيرة عند سفح الجبل .. وكانت هذه الرقعة لاتكفيهم .. ولا تقوم بأودهم .. فكانوا يتصارعون على الحياة ويقتتلون ..

وكترت حوادث السطو والنهب والأخذ بالثأر فى الطرقات والممرات الجبلية .. وندر أن يمر اسبوع دون أن تقع هناك حادثة مروعة ..

***

وفى ليلة حالكة قتل الشيخ " تغيان " من زراع القرية وكان عائدا من البندر .. وطير الخبر إلى المركز ..

وعرف اسم قاتله نعمان .. وكان فاتكا شديد البطش .. وبينه وبين القتيل خصومة قديمة ..

وخرج المأمور على رأس فصيلة من الجند .. لتحقيق الحــادث وللقبــض على الجانى قبـل أن يهرب فى دروب الجبل ..

ولما بلغ المأمور حدود القرية .. وجد أهلها على الجسر يبحثون عن شىء آخر .. عن غلام .. خرج بالبهائم إلى الحقل .. وعادت البهائم بدونه فتوجسوا شرا من الذئب .. وقالوا انه التقى به وأكله ..

وخرجت أمه تصرخ وتلطم خديها .. وخرج على صراخها الفلاحون بهراواتهم وبنادقهم إلى المزارع .. وأصبح المأمور أمام حادثة جديدة فانطلق يطارد القاتل .. ويبحث عن جثة الغلام ..

***

ولم يكتف الأهالى بهذا فاجتمع عند دوار " العمدة " حشد كبير من الناس .. وانطلقوا جميعا يبحثون عن الغلام فى كل مكان ..

***

وبعد ساعات عادت كل هذه الجموع أمام " الدوار " بخفى حنين .

وكانت أم الغلام تصرخ وتولول وأبوه يبكى .. وكل حاضر من هذه الجموع يصرخ فى أعماقه ويشعر بالانكسار .. لأن الحيوان تغلب على الإنسان وبطش به ..

ولما لم يعثروا على أى أثر للغلام .. سرت اشاعة مسرى النار فى الهشيم بأن الذئب أكل عظام الغلام ولحمه .. فخيم الحزن على النفوس ولطمت الأم خديها وتحولت القرية إلى مناحة .

وفى الساعة العاشرة ليلا سمع العمدة طلق النار بشدة .. واهتز الجو من الرصاص ونبحت الكلاب .. وتمنى العمدة فى هذه اللحظة أن تكون الداورية قد التقت بالذئب .. والتقت بالقاتل فصرعتهما .. معا .. ليستريح رجال الأمن من كل المتاعب .

وسمع بعد قليل أن الضربة كانت موجهة إلى الذئب .. وأن أحد الفلاحين صرعه عند التل فأرداه .. فتنفس العمدة الصعداء .. وخرج ليقابل الرجال الشجعان ..

ورأى جموعهم تقترب فى الظلام وهى تجر شيئا على الأرض ولما اقتربوا من النور أدركوا أن الظلام خدعهم .. وأنهم قتلوا كلبا .. من كلاب القرية ..

***

وأصبح أمل الأم بعد هذا أن يبحث لها العمدة عن عظام ابنها .. لتلقى عليه نظرة أخيرة .. وهى راضخة لحكم الله ..

***

ومع نور الفجر .. ظهر شىء يتحرك على الجسر ..
ظهر نعمان .. يحمل الغلام المفقود .. وكان الغلام بادى الاعياء من الدم الذى نزف منه .. وظهر من خلال ثوبه الممزق أسنان الحيوان فى لحمه ..

وكان نعمان ساكن الجنان ويمشى مشية من لايروعه أى شىء فى الحياة ..

وكانت بندقيته فى كتفه .. ولكنه ثنى مسورتها إلى الأرض .. وقبل أن يقترب من الرجال توقف .. ورأى سيارة البوليس من بعيد وحولها الجند .. فتسمر فى مكانه لحظات وانتفض جسمه وانتفخ وريده .. وهو ينظر إلى الغلام على صدره .. وقد شل جسمه عن الحركة ..

ثم تقدم .. صامتا .. وعيون الرجال والجنود مسلطة عليه .. حتى وضع الغلام على صدر أمه ..

وجفت القلوب .. وتحركت الأيدى على البنادق .. ولكن نعمان لم يحرك يده .. واستدار واتجه إلى سيارة البوليس الواقفة على الجسر .. وسلم سلاحه إلى الجندى الواقف هناك .. ثم ركب من الخلف ..

***

وأحس المأمور بأن شيئا يضغط على عنقه كأنه يخنقه .. فحرك رباط عنقه ثم تقدم نحو السيارة وصاح فى السائق .

ودار الموتور .. وانطلقت السيارة تحمل نعمان من الخلف .. مطوقا بالعساكر .

وفى الأمام جلس المأمور ومعه المعاون .. بجانب السائق .

وأخذ نور الصبح .. يشعشع ووضحت الرؤية وأسرعت السيارة تطوى الأرض طيا .. وفى أحد المنحنيات لمح المعــاون .. شيئا مكوما على الرمال .. وحوله خيوط من الدم ..

فقال للمأمور :
ـ انه هناك ..
ـ من ..؟
ـ الذئب ..

ورفع المأمور رأسه ونظر إلى هناك ثم رد بصره من خلال النافذة الصغيرة إلى الرجل الجالس فى الخلف .. فوجده قـد نكس رأسه وأطرق وعينه إلى الأرض .. التى تجرى تحته .
=================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب المصرية فى 941957 وأعيد نشرها فى مجموعة " الزلة الأولى " لمحمود البدوى عام 1959
=================================







ليست هناك تعليقات: